حكيت للقلم (2) : "ميعادُ لن يأتي "

*

القصة الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة "موقع لها أون لاين"

 الأدبية المعنونة بـ "لها غرس وحكاية "



كوب من القهوة وقليل من الحنين وأنا .. أجلس على مقعد تحفه وسائد خضراء كأرض أحياها الربيع .. وأمامي أوراقك يوم تركتها ذات رحيل قاس .. أفكر هل ننسى الحزن بهذه السرعة ؟ هل خمس من السنين الغابرة يمكنها أن تعيد القلوب التي حيت إلى موتها الذي سبق ؟! قلبت أوراقك المبعثرة حتى استقرت يدي على آخر ما كتبته قبل رحيلكِ بيومين .. لا أعرف هل الربيع الذي كان يزدهر حينما تغنين أشعاره هو من أعادني إليك أم ذاك القليل من الحنين إلى ضوضائك يوم كنتِ ؟!
كتبتِ بخط متناثر الحروف : اليوم لم أعد أرى سوى الحزن يلف قسمات الحياة ،اليوم هو آخر أيام الهناء ، فالشقاء بين دفتي الأيام قادم ووقعت ِ بـ ميعاد أمل لن يأتي !!
تذكرت يوم قرأت توقيعك فلسفتك إذ قلت ِ:اسمي ميعاد ، وقد كنت أظنني ميعاد هناء للحياة بينما انتظرت ميعاد الشقاء كل يوم ،نظرتكِ اليائسة للحياة كانت تقتل الكثير من بهجة محياك المتفائل ، لم تكوني هكذا .. لكنك كنت بعد ميلاد مع الألم أكثر من عرفت أسى ..هل كنت أنا فقط من يرى أحزانك ؟ ربما ..
يوم كنا صغاراً كنتِ دائما أفضل مني وكنت الأجمل ذات الشعر المنسدل و الأذكى والأقرب لوالدي ، لذا نشأت أغار منك وأكاد لا أحبك ! رغم اشتراكنا في كل شيء وهذا ما جعلني أوقن أن كل قرب لا يعني حباً .
لازلت أذكر كيف ينتشي المنزل طرباً نهاية العام بنتائجك الدراسية الرائدة .. ولازلت أذكر اليوم الأول الذي قدت يدك فيه إلى "فصلك" حينما أصبت بالعمى المفاجئ ! هكذا بغتة كانت تتحول الأمور ، حتى مشاعر والدي اللذان كانا يظهران ترفها بحبك تحولت إلى تجاهل غريب لم أعرف معه هل أصبتُ بالفرح أم بالحزن !!
ومع كل هذا كنت تتوقدين ذكاء وفطنة ! لم يكن ينقصك شيء إلا الرؤية ، وهل فقد البصر أمر هين ؟ كنتِ يومها في المرحلة الثانوية وكنتِ رغم الفقد المؤلم لعينيك ترين الحب بقلبك من الجميع ، كانت المعلمات متعاونات معك بشكل بديع فقد كنت شعلة ذكاء متقد أبدلك الله بسمع حاد جعل للمواد العلمية معك بالذات أفقا وحلولا لا تنال بالبصر فقط ، كن يعجَبن لهذا و لذا كنتِ كما لو أنك مبصرة ، لم أكن أعينك بشيء إلا قيادتك لـ "فصلك" صباح كل يوم دراسي ثم وكأني لا أعرفك وكأني أعيش في غرفة غير تلك التي كانت تجمعنا ، هل كنت أغار رغم نقصك الموجع ؟ أم كنت بلا قلب حينما كنتِ تطلبين شيئا وأتجاهلك كأني لم أسمعك ؟!
اعتدت على المنزل بعد مدة مع الظلام المحيط بعينيك و عرفت زواياه فلم يعد وجودك عائقاً على الأقل بالنسبة لي ! لكنك في الحقيقة كنت عائقاً نفسيا لم يفارقني حتى بعد رحيلك ، هل نغار من الموتى ؟ كنت أنساك عمداً حتى تغيبين عن المدرسة؛ هكذا لأراك حزينة فأنتشي! ليغيب انتشائي بعد مروري بغرفة والدي صدفة فأسمعهما يتناقشان في أمر علاجك خارج البلاد ، فتجن غيرتي من جديد وأغلق الأبواب عليك في غرفتنا وأنزل إلى حيث يجلسون وأدعي أنك ترفضين القدوم لألم في رأسك! هل كنتُ أكرهك ؟
لماذا أنت دائما محط الاهتمام في كل مكان ؟ يشعل غيظي هذا التفكير .
بيد أنك انتشلت غيرتي بما يشبه السحر ، لا أعرف كيف صرتِ تعنين لي الكثير؟ أظنك ترقبت بزوغ عواطفي وتأججها فبدأت تجاريني تارة وتوجهيني تارة أخرى دون أن أشعر ! كنت أعده تطفلا بداية الأمر ، تجاهلتك مراراً لكنك استطعت بأسلوبك التأثير فيّ ، أعجب كيف نمت بذرة حبك في داخل غيرتي المفرطة أو ربما كرهي العجيب ! كيف صرت أسيرة قربك دون أن أشعر حقا لا أعلم ؟! ربما لأني كنت أنا المريضة حقا والتي تحتاج لمن يرعاها ؟ نعم كنت عمياء غطى الحب الأهوج بصيرتي ، وكنت أحتاج لشخص مثلك يفهمني و يعرف كيف يوجه قلبي ، كنت أحتاج قربك الذي غمرتني به لذا افتقدتك كثيرا حينما رحلت للعلاج وبعد عودتك كنت قد أسرفت في الشوق لك ، استقبلتك بحب لم أظهره سلفا وقد كنتُ صادقة المشاعر حينها كنت أحاول تصحيح الماضي السيئ الذي عاملتك به ، لم تشفي من العمى لكنك كنت أقوى همة من ذي قبل و كنت تتحدثين عن الطموح والهمة كنت أصغي لك بشغف ، أسبوع وإذ بك تفقدين جزءا من سمعك ، كان هذا بعد زيارة (مي) لنا . هل كانت (مي) هي من أصابتك بالعين ؟
أم أن أمي أعيتها السبل فأصبحت تتهم كل أحد ؟ كنت تسمعين رذاذ الأصوات حتى بعد أن وصفت لك سماعة أذن خارجية ، شعرتِ باليأس للمرة الأولى حينها ، فقد فقدت اتصالك بالعالم الخارجي تقريباً لم يكن ينقصك إلا أن تسقطي دون أن تشعري لتكسر قدمك فلا تتحركي ، يومها كنت ترددين البيت الشعري ( وإني لأرجو الله حتى كأنني ** أرى بجميل الظن ما الله صانع ) حينما كسرت قدمك دعت أمي (مي) لزيارتنا تريد أن تأخذ أثرها كما تقول ، لم تنفعك مياه أمي التي أغرقتك بها ولم تنفعك قراءاتها المتتالية ، كنت أرى الموت في عينيك المنطفئتين وقد وقعت مع الآلام ميعاداً قاسياً ، عرفت أني سأبكيك قريباً ولكنك لم تيأسي علمتني الصمود وكنت تبتسمين دائماً وأعجب كيف لك كل هذا وأنت عمياء صماء مقعدة !! هاتفتِ كل صديقاتك وطلبت الالتقاء بهن . وفي يوم اجتماعكن كنت منتعشة وكأنك لم تصابي بشيء ! كانت نظراتهن تحكي شفقة وأسى وإذا ما سمعنك تحكين عن حلمك بدخول قسم الطب تعجبت تلك النظرات ، كنت أخشى أن يندلق كأس العصير على ملابسك لشدة ما شعرت بأنك تتصرفين بشكل أكثر من عادي ، ضحكتِ كثيراً و كنت مفعمة بالأمل والطموح . لم تنطفئي إلا قبل وفاتك بيومين فقط يوم أن وقعت فلسفتك تلك التي اعترفت بتواعدك فيها مع الألم وكان ذلك بعد أن منعت من الذهاب للمدرسة. كنت تحلمين بشهادة الثانوية العامة خاصة وأنك تفوقت في المرحلة السابقة ، لا أعرف هل كنت تهذين بالأماني يوم حلمت بدخول قسم الطب وأنت مقعدة على كرسيك المتحرك البائس ؟؟ كنت أبكيك بحرقة اشتهائك دخول قسم الطب وكنت أدعو الله دائماً أن تعودي كما كنت لكنك غبت عن الوعي في ذاك الصباح الغريب . لم تفيقي بعدها أبداً وغبت عن حياتي مع دخول الشتاء القاسي ، هل تصدقين بعدك لم أعرف دفء الحياة لكني عرفت طعم الطموح عزمت أن أكون أنت حتى تبقين حية في القلوب التي عرفتك ، سأحلم حلمك وأعيش بقلب كقلبك وسأكون مثلك بإذن الله .

2009م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"هناك من يفتتح بكم يومه "

"ماذا تخبئين يا كليفلاند ؟؟ "